
ملاحظة : في هذه القصة يتضخم عالم الأحلام ليطغى على عالم الواقع, حيث يحدث اللامعقول وتتحول الرغبات والهواجس إلى وقائع.
الجزء الأول
مرحباً ,أنا اسمي دلّال العص وعمري 17 سنة وأنا صبي ولست بنتاً كما يظن البعض عندما يقرؤون اسمي فلا ينتبهون لوجود شدة على اللام, فاسمي يعني الشخص الذي يدل الناس أو السمسار الذي يتاجر بالبيوت وليس التدلل. لذا أرجو أن لا يحدث أي سوء فهم لدى القارئ الكريم.
كما أن هناك مشكلة أخرى تجعل الناس يعتقدون أنني بنت عندما أتحدث معهم على التلفون لأن صوتي ناعم جداً ولا يصدقون أبداً أنني ولد ولست بنتاً مهما حاولت أن اشرح لهم ذلك مما دفعني لليأس ولم اعد أكلف نفسي عناء الشرح وصرت أتحدث معهم على أنني دلال البنت.
وأنا عزيزي القارئ أعيش في مدينة دير الحليب الصغيرة الضائعة بين جبال الأرداف الشهيرة,ومن أسرة فقيرة ومتعصبة فأمي وأخواتي وخالاتي وعماتي وجارتنا وبنات ونساء حارتنا كلهن لا يخرجن إلى الطريق إلى بالعباءة السوداء والخمار والكفوف التي لا تسمح لأي شخص يريد أن يبصبص رؤية أي شيء من جسم الأنثى, وخالي أخو أمي الأكبر شيخ معروف في البلدة بتعصبه وتشدده ولكني سأقول لك بصراح عزيزي القارئ أنني لم أكن أحب خالي هذا أبداً واسمه ملقي أبو جبة وذلك بسبب المواعظ الكثيرة التي يلقيها علينا عندما يأتي لزيارتنا كل فترة. كان خالي يطلب من أمي وأخواتي أن يضعن الحجاب داخل البيت أيضاً تصور وكان يغضب إذا رآني أنظر إلى أمي أو أختي ويقول:
انظر إلى الأرض يا ولد. وكانت أمي بالطبع توافقه وتقول أن من حق الشاب النظرة الأولى فقط ولهذا استغلت أختي الصغرى نوف هذا الأمر لكي تضطهدني وتفرض علي النظر إلى الأرض طوال الوقت حتى أنني كنت أشعر بألم في رقبتي من طول النظر للأرض وكانت تعاقبني بشدة لو رفعت نظري في حضور أي أنثى حتى ولو كانت جدتي التي تبلغ من العمر 55 سنة, كانت نوف تضربني برجلها وتصفعني بكفها على وجهي فكنت أبكي بدموع صامتة وأعتذر منها عن خطأي هذا بالرغم من أن أختي نوف أصغر مني بعامين وقد أنبتها جدتي ذات مرة عندما صفعتني نوف على وجهي وبصقت في وجهي أمامها فقالت لها جدتي:
لا يا ابنتي هذا ليس جيدا لك يا حبيبتي فالناس يحبون الفتاة الذليلة الضعيفة ولو رأتك واحدة من النسوان تضربين أخوك بهذا الشكل وتبصقين عليه فلن تفكر أبداً في خطبتك لزوجها أو ابنها أو أخيها. ومنذ ذلك الوقت صارت أختي نوف تعاملني بلطف واحترام كبير أمام الآخرين حتى أن أمي وبقية أخواتي دهشن لهذا التغيير في سلوكها وشعرن جميعا بالسرور لأن هذا سيكون عاملا مساعدا على زواجها بسرعة ليخف بالتالي المصروف المتراكم على أبي المسكين الذي يعملا طرطوراً في شركة لإنتاج الفازلين.
وفي احد المرات سألت أمي عن معنى كلمة طرطور ( مهنة أبي):
فقالت لي أن الطرطور هي مهنة الرجل الذي ليس عنده أي شهادة ولا يجيد أي عمل فيعينوه طروراً في الشركة حيث يعمل الأعمال الحقيرة التي لا يقبل الآخرين القيام بها فيلبي طلبات الموظفين وينظف لهم أحذيتهم وينظف الحمامات ومثل هذه الأعمال الحقيرة. وقد شعرت وقتها بالآسف على أبي رغم أني في أعماقي لم أكن أحبه كثيرا مثل حبي لأمي وأخواتي ومن العوامل التي قللت من محبتي له غيابه الطويل عن البيت وضعف شخصيته وعدم احترام أمي وأخواتي له بالمرة فقد كانت أختي الكبرى جواهر إذا طلب منها أن تصنع له فنجان قهوة تبصق في الفنجان وتعطيه ليشرب دون أن يدري ماذا فعلت,واسم أبي ضرار العص ولكن أمي وأخواتي يلقبونه فيما بينهم ضراط وكان يضحكون كثيرا ويستمتعن في السخرية منه ومن جدتي أم أبي التي كان لقبها عندنا أم ضراط وكنت أحبها كثيرا حتى أنني بكيت ذات مرة لتعاطفي معها وكانت خالتي نجوى يومها عندنا ومعها ابن خالتي نبيل وكانت تربطني به صداقة ومحبة لأنه من نفس سني وكنا نشبه بعضنا في أمور كثيرة فتأثر نبيل لبكائي وفاضت دموعه فابتعدنا عن النسوان وخرجنا للشرفة حيث أمسك بكلتا يدي وقال لي أنه سوف يتكلم مع خالتي كي تطلب من أمي عدم السخرية من أبي وجدتي أمامي وضمني نبيل إلى صدره بحب وشعرت أني أحب نبيل كثيرا لأنه رقيق وحساس ويشعر نحوي بالحب ولهذا طلبت من أمي أن تسمح لي بزيارة بيت خالتي أم نبيل ولكن أمي طلبت مني أن اسأل أخواتي أولاً وكنت أعرف أن ذلك يعني الرفض لأن أخواتي يتركون لي كل أعمال المنزل ولا يهتمون إلا بالجلوس أمام المرآة أو دخول الحمام أو الحديث عن الملابس والمساحيق وأنواع الفازلين الجديدة وقصص وأسرار البيوت والجيران.
في ذلك المساء طلبت أختي الوسطى هيفا مني الحديث معها على انفراد في الحمام وهناك عرضت علي أن تساعدني في الذهاب إلى بيت خالتي لألعب مع نبيل مقابل أن أساعدها وأذهب معها إلى السوق لشراء بعض الأغراض وكان عمري وقتها 14 سنة وكم فوجئت عندما وافقت أمي وأخواتي على ذهابي لزيارة بيت خالتي نجوى بصحبة أختي هيفا على أن أذهب معها أولا إلى السوق لشراء بعض الأغراض وكان الجو حارا في ذلك المساء الصيفي فخرجت معها ارتدي بنطالاً قصيرا وقميصا بحملات فيما كانت أختي تختفي تحت ملابسها السوداء وكان من ما قالته لي:
كم أتمنى لو كنت ولداً مثلك لأشعر بالحرية وأخرج كما يحلو لي بالملابس القصيرة هذه. فقلت لها أن خالي ملقي سوف يغضب كثيرا لو رآني أخرج بهذه الملابس فقالت لي:
الحقير أنا اكره كثيرا تصور أني سمعته يطلب من الماما أن تضع لك حجابا. فقلت لها:
كيف حجاب وأنا صبي ؟ فقالت لي:
الحقير يقول أنك تشبه البنات ولهذا يجب أن تستر جسمك عن أعين الرجال ولا تخرج إلا مثلنا بالعباية والخمار.فبقيت صامتا لا أدري ماذا أقول لها حتى خطر ببالي أنها ربما تسخر مني ثم قالت لي:
دلال أريد أن أسألك سؤال ولكن أريد أن تجيبني عنه بصراحة. فوعدتها بذلك فقالت لي:
لماذا تحزن عندما نسخر من الطرطور ضراط وأمه أم ضراط؟ استغربت سؤالها وقلت لها :
لأنه أبي وهي جدتي. فضحكت وقالت لي:
مشكلتك أنك لا تعلم شيئا. وهنا توقفت عن المشي وقلت لها:
ماذا تقصدين؟ فقالت:
لا استطيع أن أقول لك ولكن لو أردت أن تعرف الحقيقة عليك أن تسأل أمك؟ وشعرت أن ركبي لم تعد تحملني وانتابني الشك في أنني لم أكن أبن أبي وهنا توقفت وأمسكت يدها وقلت لها بحزم:
هيفا أرجو ماذا تقصدين هل أنا ابن حرام. فأومأت بعيونها بالإيجاب ولكنها قالت لي:
صدقني حبيبي لا استطيع أن أقول لك شيئا عن هذا الأمر بالتحديد كي لا تغضب مني أمي. وفاضت دموعي وأنا أسير إلى جانبها وفجأة توف أمامنا شاب وسلمت أختي عليه باليد ومد يده لي وصافحني وكان يرتدي ثيابا أنيقة تدل على أنه رجل ثري أو رجل أعمال ناجح وشعرت بالخجل لأنه نظر إلى أفخاذي وسيقاني وكأنه كان مدهوشاً ببياض بشرتي وعرفتنا أختي هيفا عليه قائلة:
هذا أخي الصفير دلال. وتصافحنا فظل ممسكا بيدي وهو ينظر إلي فيما قالت لي هيفا:
هذا عصام ماي بوي فريند. فقال عصام:
تقصدين أختك الصغيرة. فضحكت هيفا وشعرت بالضيق لأنه يسخر مني ومشينا قليلا بجانبه وفجأة توقف عند سيارة فخمة وركبها وصعدت هيفا بجانبه وطلبت مني أن أركب في المقعد الخلفي فركبت دون تفكير وأنا مدهوش كيف استطاعت أختي التعرف على شخص بهذا الثراء وانطلقنا وما أن ركبنا السيارة حتى خلعت هيفا العباية وكانت المفاجئة أنها ترتدي ثياب مثل ثيابي تماما بنطال قصير وقميص بحمالات ولكنها كانت تضع المكياج الفاقع واحمر الشفاه والأقراط والعطر ونظر عصام إليها وقال:
يو آر فيري هوت. فضحكت بميوعة وقالت:
خذنا إلى شقتك. فقال:
إذن نذهب إلى شقتي. فالتفتت إلي وقالت:
هل تحب أن تصعد معنا إلى الشقة حبيبي أم تريد أن نوصلك إلى بيت خالتي لتلعب أنت ونبيل. وشعرت بالحيرة والدهشة فلم أكن يوماً أشعر بأن أختي امرأة ولكني شعرت وهي تكلمني في السيارة أنني أراها لأول مرة في حياتي كامرأة وأشعل عصام سيجارة ونفث الدخان في السيارة ثم أعطاها لأختي وقال لها:
هيفا عن جد هل دلال صبي أم بنت؟ فضحكت أختي ونفثت دخان السيجارة وقالت:
حبيبي أرجوك لا تكن مزعجا هكذا قلت لك هو أخي انه ليس بنت بل ولد. وشعرت أن وجهي احمر بشدة وأخذ عصام يعتذر بلطف:
أنا آسف جدا , في بعض الأحيان أتصف بغباء ,بالفعل راسي مضروب أو في حاجة في مخي. وقال أختي :
صحيح وأنا لن أسامحك لو أزعجت أخي مرة أخرى عصام, فقال:
أنا أسف وأريد أن اعتذر هل ممكن أن أطلب السماح منه. وهنا نظرت أختي إلي وقالت:
دلال حبيب هل سامحته , إنا اعرف أن قلبك طيب وعصام يحبني ويحبك أيضا لأنك أخي ولم يقصد أن يؤذي مشاعرك لكنه قال ذلك عن طيب قلب. ومدت يدها ومسحت دموعي وقالت:
أوه حبيبي أنا آسفة فهذه ثاني مرة أجعلك تبكي في خروجك معي. والتفت إلى عصام وقالت له:
حبيبي ما رأيك أن نذهب إلى الكازينو لنصالح دلال فهو اليوم حزين كثيرا. واستدار عصام بسيارته متجهاً نحو الكازينو فيما قالت لي أختي:
دعك من زيارة نبيل هذه المرة وتعال معنا لترى كم هو رائع هذا الكازينو. وشعرت بالفرح والتشويق. وما هي إلا لحظات حتى نزلنا من السيارة ودخلنا الكازينو وكم دهشت بكثرة النساء الجميلات وهن في كل مكان على الطاولات وكان على المسرح امرأة سمينة تغني أغنية ليلة حب لأم كلثوم. وجلسنا على إحدى الطاولات وكنت اشعر بمزيج من الفرح والحزن. وجلست هيفا مقابل عصام فيما جلست أنا على الجانب بينهما وأمسك عصام يدا هيفا وقال لها:
أحبك أحبك أحبك . . . وأجابته:
وأنا أموت فيك يا حبيبي. والفت عصام وقال لي:
هل يضايقك هذا دلال؟ فقالت له:
أبدا فالحب شيء رائع الحب شيء عظيم وهو ما تحلم به كل فتاة ولكن بشرط أن ينتهي بالزواج. فقال لي:
هل أنت حزين هكذا دائماً, هل كل هذا بسبب حماقتي أم بسبب الحقيقة التي أخبرتك أختك بها. ففاضت الدموع من عيوني وابتلعت لعابي بصعوبة وقالت له هيفا:
أنا لم اقل له شيئا إنما لمحت له تلميحاً, دلال أنا آسف حبيبي على هذا الخطأ مني ولكن هذه هي الحقيقة ويجب ان يقولها لك أحد ما في يوم ما. وهنا قال عصام:
دلال وأريد أن اكفر عن خطيئتي وأقدم لك هدية رمزية. أخرج من جيبه علبة وفتحها وكان فيها سلسلة ذهبية وقلبين وبدت الدهشة على وجه هيفا وقالت لي:
اوه حبيبي كم أنت محظوظ هيا لم يعد لديك أي عذر الآن يجب أن تسامح عصام الآن. فقلت وأنا لا ادري ماذا افعل بالتحديد:
عصام إنا مسامحك. فابتسم لي وأمسك يدي وقال:
خلاص بأينا حبايب. فقلت له وأنا الشعر بعاطفة مودة وحنان نحوه:
نعم بأينا حبايب. وضحكنا وأغلقت العلبة وأنا أفكر إنني سوف أعطيها لأختي عندما نعود لان هذا الطوق من النوع الذي تضعه البنات وانتابني الشك في أن عصام قد احضر الطوق أصلا ليهديه لهيفا أختي ولكنه عندما أخطأ معي أراد أن يكفر عن خطاه بأي شكل فأعطاه لي. وهنا أكدت أختي شكوكي وقالت لي:
وأنا ألن تسامحني فلقد كان الطوق من نصيبي وصار لك حبيبي. ومسحت دموعي وأنا أبتسم لها وهنا قالت أختي لعصام:
ألبس الطوق لدلال ما بك هل نسيت الأصول. فاعتذر عصام بشدة ووقف وهو يقول:
إنا آسف لا ادري ماذا جرى لي اليوم. وفتح العلبة وأمسك يدي فوقفت وشدني أيه وعندما حنيت رأسي ليضع لي العقد فوجئنا بأضواء تتركز علينا وبالمغنية تقول: صفقوا للعروسة والعريس للخطيبة والخطيب للحبيبة والحبيب صفقوا ... ووقف جميع من الكازينو يصفقون لنا وشعرت أن أختي وعصام ارتبكوا كثيرا أما إنا فلم أعد اسمع شيئا سوى نبض قلبي ووضع عصام الطوق في عنقي وقالت له المغنية على المسرح:
بوسها بوسها. وانطلقت الفرقة الموسيقية تعزف فيما راحت المغنية تغني قائلة:
بس بوسة وبس بس.. ويا روحي وبس بس..ويا عيني أي ياي. واقتربت هيفا منا وضمتنا وقالت لنا:
العبوا الدور أفضل, بوسوا بعض معليش. فضمني عصام وقبلني من فمي فيما كان الجميع يصفقون لنا حتى أختي هيفا بعد ذلك ذهبت الأنوار عنا وجلسنا من جديد على الطاولة. وكنت أشعر أن الدنيا تدور بي من أثر قبلته لي وأن أنفاسي قد انقطعت من الموقف فقد كانت تلك القبلة الأولى في حياتي ولم أكن أبداً أتصور أن تكون مع شاب وأمام جميع الناس وتمنيت لحظتها لو أن الأرض تنشق وتبلعني من شدة خجلي وشعوري بالنقص والاهانة وبعد قليل من الصمت بدأت أستعيد تفكيري وخفت أن تكون أختي متضايقة مني لأني قبلت حبيبها ونظرت إليها وكانت على وجها تعابير غامضة وقالت:
البوس كانت رومنسية. هنا